الحريات الفنية بين الاسلاميين والعلمانيين..
كتبه: الأستاذ بوحامد علي
هو سؤال يظل يتكرر علنا وسرا بين الاسلاميين انفسهم وبين غيرهم من العلمانيين بنوعيهم الاجتماعيين والمعرفيين، وهو في الحقيقة سؤال وجيه لمخاوف حقيقية عند غير الاسلاميين حيال موقف هؤلاء من الفن والأدب والشعر والغناء ..... خصوصا عند الكلام عن الاسلام السياسي وكيفية تعامله مع هذا القطاع عموما حين وصوله إلى السلطة، وبالمقابل يعتبر الاسلاميون الاستمرار في تحريك هذا الملف من طرف مناوئيهم نوعا من محاولة الاحراج وأسلوبا للقدح فيهم والتخويف منهم؛ من قبيل "أن وصول الاسلاميين إلى السلطة هو تهديد للابداع وحرية التعبير و خطر على الفنون التي تجاوزت خصوصيات المجتمعات بولوجها مرحلة العولمة التي جعلت من الفن عالميا لا يستجيب بالضرورة للحصريات القطرية التي تقصر أنواعا فنية معينة لكل مجتمع بحسب ثقافته وتقاليده" ..
تخوّف العلمانيين و مبرراتهم:
قد يجد العلمانيون؛ سياسيون وأدباء وفنانون؛ ما يبرر تخوفاتهم تجاه تعامل الاسلام السياسي مع الفن والأدب بجميع أشكالهما و طبوعهما، خصوصا حين تكون المبررات عند الطرف الآخر دينية أو أيديولوجية، يرفض من خلالها كل ما يتعارض مع فهمهم للدين الاسلامي، فالعلمانيون يتخوفون من موقف الاسلاميين من الغناء مثلا بجميع انواعه التقليدي والمعاصر، وكذا من الرقص بجميع أشكاله، مرورا إلى السينما و الاعمال الفنية المصورة، إلى الأدب وطبوعه والشعر وأغراضه، محمّلين بأفكار التحريم الجاهزة التي تتداول هنا وهناك على ألسنة علماء ودعاة وحتى سياسيين، كتحريم الموسيقى وبالتالي كل ما صاحبها من أعمال سواء كانت دينية (اناشيد) او غير دينية (الغناء بكل طبوعه) وكذا تحريم التشبه بالنساء، والفهم المتداول من أن الرقص عموما هو خاصية نسوية....إلخ ، في الوقت الذي توجد فيه آراء أخرى تختلف عن بعض هذه الآراء المتشددة بخصوص الحرية الفنية و جواز سماع الموسيقى مع الكلام الحسن الذي لا يدعو إلى فساد أخلاق أو فجور، وحتى جواز فن الرقص دون تجاوز كالدبكة والرقصات الرجالية التي لا تحمل ميوعة ولا تهييجا للغرائز....إلخ
يضيف العلمانيون و مناهضي الاسلام السياسي إلى تخوفاتهم بهذا الخصوص انتقادات للأحزاب الاسلامية؛ التي يرون في خطابها المهادن والمطمئن بخصوص تعاملها ورؤيتها للفنون ومكانتها في المجتمع؛ تشكيك مباشر في مصداقية هذ الخطاب مبرّرين هذا التشكيك بالقول :أن خطاب هؤلاء هو خطاب انتخابي وظرفي سيتعرّض للانقلاب مباشرة بعد الوصول إلى السلطة وستبدأ عمليات التضييق والاقصاء للحياة الفنية والادبية وسيتعرّض كل إبداع فني للمحاصرة والتكميم والشيطنة..
طمأنة الاسلاميين و تفسيراتهم:
في الوقت الذي يستمر فيه العلمانيون في إقصاء الاسلاميين ورميهم بالرجعية والتخلف واستغلال الدين لأغراض سياسية، ينقسم الاسلاميون إلى فئتين بخصوص تفسيراتهم لكيفية فهم الدين للحرية الفنية والأدبية، فهناك الاسلام السياسي ويتمثل في الأحزاب السياسية ذات التوجه الاسلامي، وهؤلاء يتميز خطابهم بالتوازن والانفتاح؛ حيث لا تجدهم يتكلمون كثيرا بهذا الخصوص كأسلوب للتعامل مع المظاهر الفنية المنتشرة في المجتمع أو التظاهرات التي تنظم هنا وهناك في الغناء او الرقص أو السينما؛ ويتركون تدخلاتهم فقط إذا تجاوزت هذه التظاهرات أو الأعمال الفنية الخطوط الحمراء القانونية قبل الدينية، لإدراكهم أن التعامل بثقافة الدولة يختلف عن التعامل يثقافة المجتمع أو الفرد؛ وتنميط المجتمع أمر كان مستحيلا حتى قبل العولمة فما بالك في زمنها، وهم يدركون أيضا أنه حتى بوصولهم للسلطة لا ينبغي عليهم أن يقتربوا من هاته المواضيع وأن يتركوها بكامل حريتها، حتى لو تعارض ذلك مع بعض مبادئهم وأفكارهم؛ لأن الأولويات السياسية تجعل من الاهتمام المبكر بتنظيم هذا القطاع نوعا من الغباء السياسي الذي يهدد بإنهاء مستقبلهم السياسي..
وإضافة إلى الاسلام السياسي الذي يضبط خطابه ببوصلة الالتزام الحزبي و التعامل الحكيم مع الأولويات السياسية؛ هناك الاسلاميون كنخبة أو تيار عام؛ وهؤلاء لا يتركون أي تظاهرة فنية أو أدبية تخالف توجههم او فهمهم للدين إلا وانتقدوها أو على الأقل قدموا رؤيتهم بخصوصها، وبصراحة قد يكون في بعض الأحيان شطط في هذه الرؤى وتجاوز في الانتقاد، خصوصا حين القدح في الأشخاص وربما تشويه إيمانهم وعلاقتهم بالله، وهنا يقع الاشكال الذي يجعل من العلمانيين مقتنعين أن هذا الخطاب الاقصائي الديني هو نفسه الذي يحمله السياسيون ولكن بدون إعلان؟..
خلاصة: ثقافة الدولة والأولويات السياسية
لا ينكر أحد أن الحرية التي يجب منحها للفنون بشتى تجلياتها، لا يمكن أن نمنع منها من يعارض أنماطا فنية معينة ويبدي رفضه لها بأي أيديولوجية كانت سواء دينية أو عرفية أو حتى سياسية، فمن حق أي شخص يرى في تظاهرات معينة خدشا للتقاليد المجتمعية وعدم احترام لعادات المجتمع، أن ينتقد ويستنكر؛ ولكن بشكل حضاري وقانوني دون التعرض للأشخاص بالسب ولا للعقائد بالقذف والقدح..
ولكن يبقى أمر واحد يجب التنويه له، وهو يتعلق بطبيعة المجتمع الانساني ومنهجية التغيير التي يتميز بها ويتعامل وفقها، فالمجتمعات لا يمكن ان تتغير إلا بطريقتين، الاولى استبدادية شمولية بحيث يفرض التغيير بالعسكرة والدولة البوليسية وبقوة السلاح والسلطة، وهذا لا يمكن أن ترضى به المجتمعات في الوقت الراهن خصوصا بعد موجة الدمقرطة الأخيرة التي تمت عبر ما يعرف بالربيع العربي الذي أزاح حاجز الخوف، إضافة إلى أن هذا النوع من التغيير القهري لا يمكن اعتباره مجديا لكونه مشروطا ببقاء الظروف، وهو ما يجعل انتهاء الظروف طريقا للتحرر من هذا التغيير المزعوم المفروض، أما الطريقة الثانية فهي المنهجية المتدرجة والمرحلية، وهي الأنجع، فتغيير مجتمع ما عن طريق الاهتمام بالأولويات وعدم تحريك الملفات المستعصية من شأنه أن يجعل هذا التغيير مستداما؛ فالمجتمع الديمقراطي المتجانس يخلق ثقافته بنفسه وإن طالت المدة، وهذا هو المطلوب فهمه من كل الأطراف السياسية والدينية، ففرض الأفكار وإن كانت صحيحة في بيئة غير صحية سوف لن يأتي بأثر إيجابي وربما يأتي بآثار سلبية تأتي على الاخضر واليابس..

إرسال تعليق