جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم " بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا،
فطوبى للغرباء" ... وهو من استشرافات النبي وكراماته، فقد أشار إلى أن
بداية الاسلام في مكة كانت صعبة ولم يفهمه خلق كثير ولم يدركوا ما فيه من
خير وصلاح؛ فعادوه وأنكروا على معتنقيه وحاربوهم، وهو الآن في هذا الزمان
يعيش نفس فترته الأولى من الغربة، ففهم الاسلام على حقيقته أضحى نادرا،
وإدراك الاسلام بمقاصده الكبرى وغاياته العظيمة أصبح عزيزا، وهذا هو مقصد
الحديث كما أفهمه، لا كما فهمه بعض الاسلاميين ممن يتسمّون زورا وبهتانا
بالسلفية، وهم عن السلف أبعد الناس؛ فقد فهموا هذا الحديث فهما تسطيحيا
تافها، ورؤوا في غربة الاسلام غربة شكلانية، وفهموا أن شذوذهم بلباس قصير
وسواك في الفم ولحية كثّة فقط؛ هي الغربة التي تكلم عنها النبي (صلى الله
عليه وسلم) في حديثه، هؤلاء الماضويون لا السلفيون، يريدون العيش في
الماضي ويستدعون حياة البادية للمدينة، وعيش القرن السابع في القرن الواحد
والعشرين؟!
هذه الغربة التي يتكلم عنها هؤلاء الماضويون هي غربتهم
هم في مجتمعهم؛ فقد أضحوا شاذين بلباسهم عن عموم الناس وهو ما نهى النبي
عنه أصلا (لباس الشهرة)، ولا علاقة لغربة الاسلام الحقيقية بهذا الفهم
السقيم السطحي.. إن غربة الاسلام الحقيقية والتي نعيشها الآن هي غربة فهم
سماحته، أخلاقيته وإنسانيته، فهم نهضويته، تجميعيته وحضاريته.. أما إسلام
هؤلاء ومن شاكلهم من هاته الأصناف الغريبة فهو إسلام بدوي، شكلاني، عصبي،
عنصري، تمزيقي، تكفيري، تفسيقي، تبديعي وتفجيري.. ولا علاقة لهذا الإسلام
بإسلام محمد الذي خطف قلوب أصحابه بأخلاقه الفاضلة وحكمته الكاملة، و خضعت
له ألسنة أعدائه اعترافا بسماحة منطقه وحسن سيرته و استقامة سلوكه و عذوبة
ألفاظه.. فهو عليه أفضل الصلاة والسلام، قال : إنما بعثت لأتمم مكارم
الأخلاق..
غربة اللباس والمظهر هي أبعد ما يمكن أن يعنيه حديث النبي محمد عليه الصلاة والسلام، سالف الذكر..
أ. علي بوحامد

إرسال تعليق