"مثقف" مع وقف التنفيذ..
"عندما يصبح المثقف عدوا للثقافة وناشرا للجهل والفكر العدمي تستيقظ أرواح الظلام الشريرة لتسربل بظلامها الوعي الشعبي العام، وتخيف الجماهير من مغبّة الاقتراب من "الحقيقة" ..هكذا يصبح المثقف مرادفا للشيطان بغوايته وتلبيسه.."
كتبت هذه المقولة ذات يوم بعدما راودتني كوابيس يأس من المتسمّين زورا وبهتانا ب " مثقفين" و "دكاترة" و "إعلاميين" وغيرها من الألقاب الفخمة التي أفرغت من محتواها وأصبحت تصنع بشكل حقيقي " الفحش الثقافي"، لقد تحولت هذه الألقاب عند العديد من " المثقفين" إلى قناع خشبي يخفي من ورائه " جهلا" و"ظلاما" دامسا لا يمكن معه إلا أن تقف مشدوها من هول ما تسمع من ألسنتهم وما ترى من أفعالهم..
يتوقف بك الزمن للحظات فتكاد تجزم أن هناك خطأ أو لبسا في الموضوع ! أن ترى أمامك دكتورا مرموقا في عالم السياسة أو الإعلام أو الاقتصاد وهو يجدّف ويناقض كل الحقائق والأعراف ، ينفي ما يجب أن يؤكد ويؤكد ما يجب أن ينفيه، غير مبال تماما بأي صوت يحاول أن يصوبه أو يظهر خطأه,, لا لشيء إلا لأنه "مثقف" ويعبّر عن وجهة نظره التي يؤمن بها ؟.. وعندما يعاود الزمن للحركة تستيقظ على حقيقة لا يمكن أن تتجاوزها فتقول ما قاله لقمان الحكيم :" أن تكون أخرس عاقلا خير من أن تكون نطوقا جهولا".
وإذا أردت أن تحلل أو تفهم هاته الحالات ستجد نفسك تقرر أن: الحكمة والعقل السليم هو نعمة من عند الله ، وأن التزام المبادئ؛ ونكران الذات وتملّق الآخرين مرتبط بسرائر النفوس ونيات القلوب ولا يمكن أن تقتنص الفهم الصحيح منها إلا بالتصريح، ولكن من الجيد أن أمثال هؤلاء يفضحون أنفسهم بأنفسهم من خلال كلامهم وآرائهم فتنفضح أساريرهم ويعلم الناس كم هم ضئيلوا الحجم ومغيّبون عن الواقع أو مغيِّبون له، فهناك من يدعون الثقافة والعلم لم يتجاوز عدد الكتب التي قرؤوها في حياتهم 100 كتاب وهؤلاء رمى بهم الزمان في حارة المثقفين وهم منهم براء، ولكن الغريب أن هناك ممن يعتبرون من المثقفين الحقيقيين في مجالاتهم ولهم إسهامات كبيرة سواء بمؤلفاتهم أو محاضراتهم ولكنهم للأسف سقطوا أخلاقيا وإنسانيا؛ سواء بسبب المال والإغراءات المادية أو بسبب الضغائن والغيرة التي قد تتملك بعضا منهم فتضطره إلى معاداة الحقيقة ومصادقة الباطل مهما كانت الضريبة التي سيدفعونها، لأنهم وببساطة باعوا ضميرهم وقرروا بوعي أن يكونوا جزءا من الظلام الذي يجثم على واقع الأمة ، وأمثال هؤلاء الذين ابتلينا بهم لن ينفع معهم النصح ولا المحاججة، فهذه الوسائل تنفع مع طالبي الحقيقة، ولا تنفع مع المعادين لها والذين يقتاتون على دفن كل بصيص للحق؛ فقط لأن الحق في فترة من الفترات لا يخدم مصالحهم الشخصية الضيقة.
يبقى التحدي الوحيد هو إزالة الغشاوة عن أعين المخدوعين بهم وبآرائهم ؛ وهذا يوجب عملا متواصلا لإيصال الوعي الصحيح والفكر السليم ودحض كل الأفكار المتهافتة التي يروجونها، وهنا نشير إلى أن الكلام ليس عن الاختلاف في الآراء أو وجهات النظر المتمايزة بل الحديث عن الباطل الذي يروج له والحقائق التي تغيّب بمنهجية، "إنه التغفيل والتجهيل الممنهجين" الذي يجب أن يحارب، لأن مستقبل الأمة العربية والإسلامية لا يمكن أن يُصنع إلا في ظل بيئة تُعلي من شأن المبادئ والمثل العليا والأخلاق الحميدة وتستنكر القيم الدنيئة من تملّق وتسلّق وبيع للضمير..
أ. علي بوحامد
رابط عدد جريدة الجديد اليومي الذي يحوي المقال:
http://www.aldjadidonline.com/files.php…
رابط عدد جريدة الجديد اليومي الذي يحوي المقال:
http://www.aldjadidonline.com/files.php…

إرسال تعليق